لم يصبح بيت سولفيغ وغونار الأصفر المبهج ملجأ عائشة فحسب؛ بل أصبح فصلها الدراسي الحقيقي. علمتها مدرستها الرسمية قواعد اللغة الأيسلندية والرياضيات، لكن تعليمها الحقيقي كان يتم حول طاولة العشاء الخشبية المخدوشة كل مساء.
لم تكن أوقات الوجبات شؤوناً هادئة ومهذبة. كانت عاطفية، فوضوية، وصاخبة. كانت جدالات. سولفيغ، المربية البراغماتية، وغونار، الأستاذ الجامعي، كانا يختلفان في كل شيء تقريباً، من سياسات الحزب الحاكم إلى فعالية نماذج المساعدات الخارجية المختلفة. كانا يتجادلان، ويقاطعان، ويتحديان بعضهما البعض، وأصواتهما ترتفع، وأيديهما تتحرك، وجدالاتهما تتغذى على القهوة لهما والحليب لعائشة.
في البداية، كانت عائشة ذات الاثني عشر عاماً مراقبة صامتة ومرعوبة. كانت القوة المطلقة لآرائهما، والطريقة التي كانا يستخدمان بها الأفكار كأسلحة، تختلف عن أي شيء عرفته. في عالمها، كان على الطفل، وخاصة الفتاة، أن يكون صامتاً في حضرة حديث الكبار.
لكن سولفيغ وغونار لم يسمحا لها بأن تكون متفرجة. كانا يلتفتان إليها في منتصف تبادل حاد.
"والفتاة من الصومال"، كان يقول غونار، مشيراً إليها بشوكة. "ما هو الحكم؟ هل هذا المشروع التنموي ابتكار لامع أم إهدار لأموال دافعي الضرائب؟"
كانت عائشة تتلعثم: "أنا... أنا لا أعرف".
كانت سولفيغ ترد بنظرة حادة ولكن غير قاسية، بنفس النبرة التي كانت تستخدمها مع فرق عملها: "‘أنا لا أعرف‘ ليس رأياً. إنه رفض للتفكير. لديك عقل. لقد رأيت نتائج المشاريع الفاشلة في بلدك. استخدميها. ما هو تحليلك؟"
ببطء، وبتردد، بدأت تشارك. كانت آراؤها الأولى همسات خجولة، لكنها لم تقابل بالرفض، بل بالنظر الجاد والدقيق. عوملت أفكارها كما لو كان لها وزن.
بدأ صحوتها الحقيقية عندما تحولت الجدالات إلى السياسة، إلى العدالة، إلى العالم خارج جزيرتهم الصغيرة. في إحدى الأمسيات، كان غونار يثور ضد سياسة حكومية جديدة. "إنه ظلم!" صاح.
عائشة، التي كانت تبلغ الآن الثالثة عشرة، وجدت صوتها. "ما هو... الظلم؟"
توقف غونار، وقطعت ثورته. نظر إليها، نظر إليها حقاً. "الظلم"، قال بصوت هادئ وجاد فجأة، "هو عندما تُكتب القواعد من قبل الأقوياء لإبقاء الضعفاء في مكانهم. إنه نظام يتظاهر بالعدل ولكنه مصمم ليكون غير متكافئ".
كان ذلك التعريف الواحد الواضح مفتاحاً يفتح قفلاً في عقلها. أعطاها اسماً للشعور غير المعلن الذي حملته معها منذ أن كانت في الثامنة من عمرها، وهي تشاهد نور أختها ينطفئ. العالم الذي أتت منه لم يكن مجرد "هكذا هي الأمور"؛ لقد كان ظلماً.
منذ ذلك الحين، أصبحت أسئلتها أكثر حدة. بدأت تربط النظريات الكبرى التي كانوا يناقشونها على طاولة العشاء بذكرياتها الصامتة. جادلوا حول حقوق الإنسان، ففكرت في دقة. ناقشوا النظرية النسوية، ففكرت في استسلام والدتها وحزن والدها الهادئ.
في إحدى الليالي، كانت سولفيغ تتحدث عن المبدأ الأساسي لعملها مع الأمم المتحدة. مبدأ "الاستقلالية الجسدية" - حق كل شخص في التحكم بجسده دون إكراه خارجي.
وضعت عائشة شوكتها. "الاستقلالية الجسدية"، كررت الكلمات الغريبة، مختبرة وزنها. نظرت إلى وصييّها، الأشخاص الذين علموها التفكير، وسألت السؤال الذي كان يحترق بداخلها لسنوات.
"إذن لماذا"، سألت بصوت واضح وثابت، "تعتقد ثقافتي أن لها الحق في تقطيع جسد فتاة لتجعلها زوجة؟"
توقف الجدال. تلاشى الضجيج والنقاش المعتاد. نظر سولفيغ وغونار إلى بعضهما البعض، ثم إلى الشابة الشرسة والجادة الجالسة على طاولتهما. لم تعد الطالبة تتعلم فقط. لقد بدأت تعلم. البذور الفكرية التي زرعاها قد تجذرت في أرض تجربتها الخصبة والجريحة، وكانت على وشك أن تنمو لتصبح غابة.
القسم 6.1: من الصدمة الشخصية إلى التحليل السياسي: قوة الإطار الفكري
سنوات عائشة في "بيت الجدالات" هي المرحلة الأكثر أهمية في تحولها. توضح رحلتها مبدأ أساسياً للتمكين: الصدمة الشخصية، في حد ذاتها، غالباً ما تكون عبئاً صامتاً. فقط عندما تُمنح تلك الصدمة لغة وإطاراً فكرياً يمكن تحويلها إلى أداة سياسية.
سولفيغ وغونار لا يعطيان عائشة أيديولوجية جاهزة؛ بل يعطيانها أدوات التفكير النقدي. تعمل نقاشاتهما على مائدة العشاء كتعليم طويل الأمد في العالم الحقيقي يحقق ثلاثة أمور حاسمة:
١. تطبيع البحث النقدي: من خلال التشكيك المستمر في كل شيء ومطالبة عائشة بتكوين آرائها الخاصة، يعلمانها أنه لا توجد فكرة - لا التقاليد، ولا الحكومة، ولا حتى الفن - فوق مستوى النقد. هذا يمنحها الإذن بالبدء في التشكيك في التقاليد المقدسة التي لا جدال فيها في ماضيها.
٢. توفير مفردات للظلم: الكلمات هي القوة. عندما يعرّف غونار "الظلم" بأنه نظام صممه الأقوياء، أو عندما تقدم سولفيغ مفهوم "الاستقلالية الجسدية"، فإنهما يسلمان عائشة مفاتيح لفك شفرة تجربتها الخاصة. ما كان في السابق معاناة شخصية بلا اسم يمكن الآن تحديده وتحليله والتعبير عنه كخطأ سياسي. يبدأ عار الضحية في أن يحل محله غضب المحلل.
٣. الجسر بين الشخصي والسياسي: سؤال عائشة الأخير والقوي - "لماذا تعتقد ثقافتي أن لها الحق في تقطيع جسد فتاة؟" - هو تتويج لهذه العملية. إنها اللحظة التي تنجح فيها في ربط النظريات المجردة والكبرى لحقوق الإنسان والنسوية التي كانت تتعلمها مباشرة بالصدمة الجسدية الحميمة التي شهدتها كطفلة.
لهذا السبب يعتبر التعليم التهديد المطلق لأي نظام قمعي. إنه لا يوفر الحقائق فقط؛ بل يوفر السقالات لبناء رؤية عالمية جديدة. سولفيغ وغونار لا يعلمان عائشة فحسب؛ بل يسلحانها. إنهما يساعدانها على صياغة ذكرياتها الخام والمؤلمة لتصبح الأسلحة الفكرية التي ستحتاجها لخوض معاركها المستقبلية.