بينما أصبح مطبخ دقة مركزاً هادئاً للتضامن النسائي، خاض أحمد معاركه الوحيدة في عالم الرجال. كان انشقاقه عن فرح عميقاً ومريراً. لم يتحدثا منذ سنوات، وقد قُطعت صداقتهما التي دامت مدى الحياة بسبب حرب حفلة العشاء.
سارت حياة فرح في مسار مختلف تماماً. بدون عبء زوجة متحدية أو أفكار أجنبية، ازدهر. تزوج من امرأة شابة ومطاوعة من عائلة جيدة، امرأة أنجبت له ثلاثة أبناء وابنة. أصبح قائداً مجتمعياً محترماً، وصوته مؤثراً بين الشيوخ، وتقواه وتشبثه بالتقاليد مصدر إعجاب عام. كان، بكل المقاييس، نموذجاً للنجاح الصومالي.
في إحدى الظهيرات الحارة، كان أحمد يشرف على تفريغ شحنة في مستودعه عندما رأى سيارة فرح تتوقف. انقبض قلبه. خرج فرح، وللحظة، نظر الرجلان إلى بعضهما البعض عبر الساحة المتربة، وسنوات الصمت الأربع هوة بينهما.
بدا فرح أكبر سناً. كانت الثقة المتعجرفة لا تزال موجودة، لكنها كانت مغطاة بقلق عميق ومضنٍ. اقترب من أحمد بتردد، وقد اختفت جرأته المعتادة.
"أحمد"، بدأ بصوت خشن. "أحتاج... أحتاج أن أتحدث معك".
بحذر، قاده أحمد إلى مكتبه الصغير والمزدحم. لم يجلس فرح. راح يذرع الغرفة الصغيرة كحيوان محبوس.
"إنها ابنتي"، قال فرح، والكلمات ممزقة منه. "اسمها سليخة. تبلغ من العمر ثماني سنوات". توقف عن المشي ونظر إلى أحمد، وعيناه مليئتان بخزي يائس ومتوسل. "والدتها رتبت للختان. قبل أسبوع. كان... بالطريقة الفرعونية. كما هو لائق".
شعر أحمد بعقدة باردة تتشكل في معدته. كان يعرف ما هو قادم.
"كان هناك نزيف كثير"، همس فرح، وصوته يتصدع. "لم نتمكن من إيقافه. ثم جاءت الحمى. أخذناها إلى كل عيادة. الأطباء... يقولون إن العدوى في دمها. يقولون إنه لا يوجد شيء آخر يمكنهم فعله".
انهار أخيراً على كرسي، ورأسه بين يديه، وجسده يهتز بنشيج جاف وبلا دموع. كل الغطرسة، كل اليقين، كل الفخر الأبوي، قد احترق، ولم يتبق سوى الرعب الخالص لأب على وشك أن يفقد طفلته.
وقف أحمد في صمت، وعاصفة من المشاعر تحتدم بداخله. شعر برضا قاتم ورهيب. شعر بموجة من الشفقة على صديقه القديم. ولكن الأهم من ذلك كله، شعر بحزن عميق ومؤلم على الفتاة الصغيرة، تضحية أخرى على مذبح تقليد يلتهم بناته.
"ماذا تريد مني يا فرح؟" سأل أحمد بصوت جامد، خالٍ من الانتصار الذي ظن أنه قد يشعر به.
رفع فرح رأسه، ووجهه قناع من اليأس. "أخت زوجتك"، قال. "عائشة. يقولون إنها مهمة الآن. إنها تتحدث إلى الأوروبيين، إلى المنظمات غير الحكومية. هناك عيادة جديدة، خاصة، يديرها طبيب ألماني. لديهم أدوية لا نملكها. لكنهم لن يرونا. يقولون إنها للحالات... المعقدة. لن يسمحوا لنا حتى بالدخول من الباب". أخذ نفساً متقطعاً. "هل يمكنك... هل يمكنك أن تطلب منها إجراء مكالمة؟ من أجل سليخة؟ سأدفع أي شيء. سأفعل أي شيء".
كانت المفارقة مذهلة. الرجل الذي أدان عائشة كسم مفسد كان يتوسل الآن من أجل نفوذها. الرجل الذي دافع عن طهارة الشفرة كان الآن متوسلاً، يتوسل مساعدة القوى "الأجنبية" التي كان يحتقرها علناً لإنقاذ ابنته من عمل تلك الشفرة ذاتها.
نظر أحمد إلى صديقه السابق، رجل محطم تماماً بسبب عواقب معتقداته الصارمة. فكر في ابنته، أمل، آمنة وكاملة ونائمة بسلام في سريرها. كان الخيار واضحاً. لكنه لم يكن بسيطاً.
القسم 22.1: الوزن الذي لا يطاق للعواقب
هذا الفصل هو اختبار إجهاد وحشي وواقعي للأيديولوجيا الأبوية التي يمثلها فرح. إن رؤيته للعالم بأكملها مبنية على مجموعة من المبادئ المجردة: الشرف، الطهارة، التقاليد، والطاعة الأنثوية. لم يُجبر قط على مواجهة العواقب الحسية والواقعية لهذه المبادئ عندما تسوء الأمور. الآن، اقتحم الواقع حياته، وأيديولوجيته تثبت أنها درع ضعيف بشكل كارثي ضده.
انهيار التجريدات:
"الشرف": أمضى فرح حياته في السعي وراء "الشرف". ولكن ما قيمة احترام المجتمع عندما تكون طفلتك على فراش الموت؟ إنه يتعلم أن الشرف لا يمكن أن يوقف نزيفاً أو يخفض حمى.
"الطهارة": طالب بابنة "طاهرة". يواجه الآن الواقع المتعفن لتلك "الطهارة" - عدوى مستعرة ومهددة للحياة. الصراع بين المعنى الرمزي للفعل وواقعه الطبي المروع لا يمكن التوفيق بينه.
التقاليد مقابل الحداثة: بنى فرح هويته على تفوق التقاليد ورفض الطرق "الأجنبية". الآن، أمله الوحيد في إنقاذ ابنته يكمن في الحداثة ذاتها التي احتقرها - طبيب ألماني، طب غربي، والنفوذ الأجنبي للأخت في القانون التي يحتقرها. لقد قادته أيديولوجيته إلى طريق مسدود، والمخرج الوحيد هو مسار أعلنه شريراً.
المفارقة المطلقة: مناشدة للمرأة المتحررة.
مناشدة فرح لأحمد للاتصال بعائشة هي الاستسلام المطلق. إنه اعتراف ضمني بفشل رؤيته للعالم بأكملها.
١. يعترف بقوة عائشة: المرأة التي وصفها بأنها "بلا حياء" و "حيوان بري" هي الشخص الوحيد الذي يمتلك السلطة الآن. تعليمها، اتصالاتها، قيادتها للعالم "الأجنبي" - الأشياء ذاتها التي أدانها - هي الآن مصدر أمله الوحيد.
٢. يُجبر على اتخاذ الموقف الأنثوي: طوال الملحمة، كانت النساء هن من كان عليهن المناشدة، وأن يكن متوسلات، وأن يتنقلن في أنظمة سلطة لا يسيطرن عليها. الآن، فرح، البطريرك، قد اختُزل إلى نفس الموقف. يجب عليه أن يتوسل لتدخل امرأة لإنقاذ عائلته.
خيار أحمد: العدالة مقابل الرحمة.
أحمد الآن في موقع قوة هائلة. يمكنه اختيار العدالة، والسماح لفرح بأن يعاني من العواقب المباشرة لمعتقداته. أو يمكنه اختيار الرحمة، واستخدام نفوذ عائلته الذي اكتسبه بشق الأنفس لمساعدة طفلة عدوه.
هذا اختبار عميق. نظام الانتقام والعقاب ("العين بالعين") هو، في حد ذاته، سمة من سمات النظام الأبوي القديم. العالم الجديد الذي تحاول عائشة ودقة بناءه يعتمد على مجموعة مختلفة من المبادئ: الحق العالمي في الصحة، حماية جميع الأطفال، وإنسانية مشتركة تتجاوز المعارك الأيديولوجية. قرار أحمد سيكشف ما إذا كان قد استوعب حقاً هذه القيم الجديدة أم أنه لا يزال، في جوهره، رجلاً من العالم القديم، محدداً بمنافساته واستياءاته. خياره لا يتعلق فقط بابنة فرح؛ بل يتعلق بنوع الرجل الذي اختار أن يصبح.