بعد أيام قليلة من وصولها، اقترحت دقة رحلة إلى سوق بكارة في مقديشو. كانت لفتة نحو الحياة الطبيعية، محاولة لإعادة عائشة إلى إيقاعات حياتهما القديمة المألوفة. وافقت عائشة على الفور، متلهفة لإعادة التواصل. أصر أحمد على مرافقتهما. "السوق مزدحم جداً"، قال، وهو عذر واهٍ لرغبته في مراقبة هذه الأخت الغريبة والرائعة في بيئتها الطبيعية.
كان السوق سيمفونية فوضوية من الحياة. حشد من الناس يتنقلون في الأزقة الضيقة، والهواء مشبع برائحة المانجو الناضجة، والبن المحمص، واللحم النيء، والغبار omnipresent. كانت الماعز تثغو، والباعة يصرخون، وصوت راديو صفيحي ينسكب من واجهة متجر.
بالنسبة لدقة، كان هذا هو الوطن. تحركت عبر الفوضى بسهولة معتادة، وعيناها منخفضتان، وجسدها يصغر غريزياً لينزلق عبر الفجوات في الحشد.
بالنسبة لعائشة، كان هجوماً حسياً، ليس فقط من الأصوات والروائح. كانت النظرة. بعد سنوات من عدم الكشف عن هويتها في أيسلندا، كانت النظرة المستمرة والثابتة للرجال وزناً جسدياً. كانت نظرة كسولة ومقيمة من الرجال المسنين الذين يحتسون الشاي؛ ونظرة سريعة وجائعة من الشبان الذين يتسكعون بجانب الأكشاك؛ ونظرة طويلة ووقحة من الجنود الذين يحملون بنادقهم. كانت همهمة تقييم مستمرة ومنخفضة المستوى، تذكيراً بأن جسدها في هذا الفضاء ملكية عامة.
حاولت تجاهلها، وأن تتبنى وضع دقة من التواضع غير المكترث، لكن غرائزها الخاصة قاومت. قابلت نظرة شاب بنظرة باردة ومباشرة خاصة بها. تفاجأ لدرجة أنه أشاح بنظره، وتمتم بإهانة لصديقه.
ثم، بينما كن يمررن بمجموعة من الرجال، أصدر أحدهم صوتاً منخفضاً وموحياً بالنقر بلسانه.
توقفت عائشة فجأة. دقة، التي كانت تتقدمها ببضع خطوات، شعرت بالتوقف المفاجئ في حركتهما واستدارت، وعيناها متسعتان بالذعر. أحمد، الذي كان يمشي خلفهما، رأى النظرة على وجه أخته في القانون. الفضول اللطيف الذي كان يشعر به تحول إلى قلق.
"ماذا قلت؟" سألت عائشة بصوت هادئ بشكل خطير، مخاطبة الرجل الذي أصدر الضوضاء.
ابتسم الرجل، متفاجئاً بالمواجهة. "كنت فقط معجباً بخلق الله يا أختي". ضحك أصدقاؤه.
"الله خلقني بأذنين لأسمع وعقل لأفكر"، ردت عائشة، وصوتها يرتفع الآن، جاذبة انتباه من هم بالجوار. "وأذناي تخبرانني أنك رجل بلا احترام، وعقلي يخبرني أنك رجل بروح صغيرة".
همهمة مرت عبر الحشد الصغير الذي بدأ يتجمع. اختفت ابتسامة الرجل، وحل محلها احمرار من الإهانة الغاضبة. أسرع أحمد إلى الأمام، ممسكاً بذراع عائشة. "عائشة، أرجوكِ. دعي الأمر. هذا ليس المكان المناسب".
"هذا هو المكان المناسب تماماً!" ردت عليه، نافضة ذراعه. وجهت غضبها إليه. "هل تسمع كيف يتحدثون؟ هل تعتقد أن هذا محترم؟ هل هذا هو الشرف الذي تفتخرون به جميعاً؟ معاملة النساء كقطع لحم في السوق؟"
دقة، مرعوبة، شدت ذراعها الآخر. "عائشة، نحن نثير مشهداً. تعالي".
اخترق الخجل والإلحاح في صوت أختها غضب عائشة أخيراً. سمحت لنفسها بأن تُسحب بعيداً، تاركة الرجل المذهول وأصدقاءه في أعقابها. سرن بقية الطريق في صمت متوتر ومضطرب.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، جلس أحمد مع فرح في مقهاهم الخارجي المعتاد. روى الحادثة، متوقعاً التعاطف. بدلاً من ذلك، استلقى فرح، ونظرة متعجرفة وعارفة على وجهه.
"لقد حذرتك يا صديقي"، قال فرح، مرتشفاً رشفة بطيئة من شايه الحلو. "هذا ما يفعله الغرب. يجعل النساء بلا حياء. ينسين مكانهن. لقد دعت إلى ذلك الانتباه بطريقة لباسها، وطريقة مشيها. إنها حيوان بري، والآن أنت متفاجئ من أن كلاب الشارع تنبح عليها؟"
فتح أحمد فمه ليجادل، لكن الكلمات علقت في حلقه. هل كان فرح على حق؟ جزء منه، الجزء الذي تشكل على مدى حياة من التقاليد، أومأ بالموافقة.
لكن جزءاً آخر أحدث، جزءاً أيقظته المنطق الشرس الذي لا يمكن إنكاره في عيني عائشة، شعر بموجة من الغضب من مقارنة فرح الفجة. تذكر نظرة الرجل في السوق - الاستحقاق المتعجرف، عدم الاحترام العرضي.
"لقد أخطأ في التحدث إليها بهذه الطريقة"، قال أحمد، والكلمات خرجت أهدأ مما قصد، لكنها خرجت. "إنها ضيفة. إنها أخت زوجتي. لقد أخطأ".
هز فرح رأسه، وابتسامة شفقة على شفتيه. "أنت رجل صالح يا أحمد. صالح جداً. قلبك أرق من أن يتعامل مع امرأة كهذه. احذر أن تملأ رأس زوجتك بسمها".
القسم 10.1: التحرش في الشوارع كأداة للسيطرة الاجتماعية
حادثة السوق هي صورة مصغرة للنضال السياسي اليومي الذي تواجهه النساء من أجل الحق في شغل الأماكن العامة. التحرش في الشوارع، الذي غالباً ما يتجاهله الرجال باعتباره "مجاملات غير مؤذية" أو "مجرد فتيان يتصرفون كفتيان"، هو في الواقع آلية قوية وغير رسمية للسيطرة الاجتماعية.
إنه يفرض النظام الأبوي. مواجهة عائشة صادمة للغاية لأنها تنتهك القواعد غير المكتوبة للساحة العامة:
١. الرجال هم الفاعلون؛ والنساء هن المفعول بهن. الرجال يتصرفون؛ والنساء يُتَصَرَّف بهن. نظرة الذكور هي الافتراضية، ومن المفترض أن يكون رد فعل الأنثى سلبياً (إما تجاهلها أو قبولها بامتنان متواضع).
٢. كلام الرجال مهيمن؛ وكلام النساء تابع. الرجل له "الحق" في التعليق على مظهر المرأة. المرأة ليس لها الحق في تحديه علناً.
من خلال التوقف، ومواجهة المتحرش بها، والرد عليه، تقلب عائشة هذه الديناميكية السلطوية. إنها ترفض أن تكون الكائن السلبي وتصر على مكانتها كفاعل متحدث ونشط. هذا ليس مجرد شجار شخصي؛ إنه تمرد سياسي مصغر.
إنه يعاقب عدم الامتثال. حجة فرح - "لقد دعت إلى ذلك الانتباه" - هي المنطق الكلاسيكي للجاني. إنه شكل من أشكال لوم الضحية يخدم غرضاً سياسياً حاسماً: إنه يعزز قواعد اللباس والسلوك المطلوبة من النساء. الرسالة واضحة: إذا امتثلتِ (مثل دقة)، فستكونين آمنة نسبياً. إذا انحرفتِ (مثل عائشة)، فأنتِ "فريسة سهلة"، وأي تحرش تتعرضين له هو خطأكِ. هذا يخلق حافزاً قوياً للنساء لمراقبة سلوكهن، وجعل أنفسهن أصغر وأقل وضوحاً، والتنازل فعلياً عن السيطرة على الأماكن العامة للرجال.
معضلة أحمد هي معضلة الرجل المعتدل. إنه عالق بين رؤيتين عالميتين متنافستين:
الرؤية التقليدية (التي يمثلها فرح): النساء مسؤولات عن إدارة رغبة الذكور. حياؤهن هو الدرع الأساسي ضد الفوضى الاجتماعية.
الرؤية المساواتية (التي تمثلها عائشة): الرجال مسؤولون عن سلوكهم. حق المرأة في الوجود في الأماكن العامة دون مضايقة هو حق مطلق ولا يتوقف على ملابسها أو سلوكها.
دفاع أحمد المتردد عن عائشة - "لقد أخطأ" - هو لحظة صغيرة ولكنها مهمة. إنه، للمرة الأولى، يرفض المبدأ الأساسي لحجة فرح. إنه يحول اللوم، وإن كان بخجل، من الضحية إلى الجاني. هذا هو أول صدع في تلقينه، أول علامة على أن "سم" عائشة قد يكون في الواقع ترياقاً.