مرت أربع سنوات. بالنسبة لدقة، كانت تلك هي السنوات الأكثر حيوية ورعباً وقيمة في حياتها. كانت سنوات أمل.
لم تكن أمل طفلة هادئة ورصينة كما كانت دقة. كانت زوبعة. كانت شجاعة، تطارد الدجاج بصرخات من الضحك، وساقاها الصغيرتان تتحركان بسرعة، وشعرها هالة برية في الشمس. كانت تتسلق كل ما تستطيع. كانت تطرح الأسئلة باستمرار، سيلاً من "لماذا" كان يرهق والديها ويسعدهما في آن واحد. كانت، بكلمة واحدة، غير مبتورة. كان فيها كمال، طاقة غير مروّضة كانت دقة تراقبها بحب حمائي شرس كان شديداً لدرجة أنه غالباً ما كان يبدو كألم جسدي في صدرها.
لكن هذه الفرحة، كانت تُعاش داخل فقاعة تتقلص حجمها باستمرار. خارج جدران منزلهما الصغير، أصبح العالم بارداً. لم يُنسَ تحديهما. كان موضوعاً ثابتاً ومستمراً للقيل والقال في المجمّع.
كانت الهمسات تتبع دقة في السوق. كانت النساء الأخريات يصمتن عندما تقترب، وأععينهن تتبعها بمزيج من الشفقة والاتهام. أصبحت الدعوات إلى حفلات الزفاف وتسمية الأطفال نادرة. كانت غريبة في مجتمعها، امرأة اختارت مساراً غريباً وأجنبياً على التجربة المشتركة التي كانت تربطهن جميعاً.
شعر أحمد بذلك أيضاً. تبخرت الصداقة السهلة التي كان يتقاسمها مع الرجال الآخرين. بدأ عمله، الذي كان يعتمد على ثقة المجتمع والعلاقات، يعاني بطرق صغيرة وخفية. عقد ضائع، شحنة متأخرة، قرض يُطلب سداده مبكراً. لا شيء يمكنه إثبات أنه كان متعمداً، لكن البرود كان لا يمكن إنكاره. أصبح أكثر تعباً، وأكثر انطواءً، وتعمقت الخطوط حول عينيه. ولكن كلما نظر إلى أمل، كان تصميم عنيد يشد ملامحه. لقد قطع وعداً.
كان الضغط أشد ما يكون من والدته، فاطومة. لم تسامح أبداً على إهانة حفلة العشاء. كانت تعامل اسم عائشة كلعنة وترى أمل ليس كحفيدة، بل كمشكلة يجب حلها.
حاصرت دقة في إحدى الظهيرات بينما كانت أمل، التي بلغت الآن أربع سنوات، تلعب بالحصى في الغبار.
"إنها تكبر"، قالت فاطومة بصوت منخفض وحاد، مشيرة إلى الطفلة. "الناس يتحدثون. يقولون إن ابنة أحمد لا تزال غير نظيفة. وأن زوجته قد ملأت رأسه بسم أختها الأجنبية".
شدت دقة يديها على سلة الغسيل التي كانت تحملها. "إنها كاملة كما خلقها الله يا حماتي".
أطلقت فاطومة صفيراً من الهواء. "الله يتوقع منا أن نرشد أطفالنا. أن نعدهم لهذا العالم. هل تعدينها لحياة بلا زوج؟ بلا شرف؟ إنها تقترب من الخامسة. متى ستقومين بواجبك؟ متى ستجعلينها نظيفة؟"
لم يكن السؤال سؤالاً. كان أمراً. انتهت فترة السماح. نظرت دقة إلى ابنتها الضاحكة والغافلة، وغمرها رعب بارد. كانت الهمسات تعلو. كانت جدران فقاعتهما الصغيرة بدأت تنغلق.
القسم 15.1: النبذ كسلاح
توضح الأحداث في هذا الفصل السلاح الأساسي الذي تستخدمه المجتمعات الجماعية لفرض الامتثال: النبذ. عندما لا يُستخدم العنف المفتوح، يكون الموت الاجتماعي هو الأداة الأقوى التالية. المجتمع لا يهاجم دقة وأحمد جسدياً؛ بل يقوم بمحوهما منهجياً من النسيج الاجتماعي.
هذا شكل من أشكال الشمولية الناعمة، ويعمل على عدة مستويات:
١. القيل والقال كوسيلة للمراقبة: "المجمّع الهامس" ليس مجرد ثرثرة عابرة. إنها شبكة مراقبة لا مركزية وفعالة للغاية. كل فعل تقوم به دقة، كل كلمة تقولها، عمر أمل، سلوكها - كل ذلك يتم رصده والإبلاغ عنه والحكم عليه وفقاً لمعيار المجتمع. هذا يخلق تأثير "البانوبتيكون"، حيث يكون علم المرء بأنه مراقب باستمرار كافياً للضغط على الأفراد للامتثال.
٢. النبذ الاجتماعي: التحيات غير المردودة ونقص الدعوات هي أفعال متعمدة واستراتيجية. إنها تهدف إلى عزل غير الممتثل، وقطعه عن الدعم العاطفي والعملي للمجتمع. في مجتمع تكون فيه الجماعة هي الوحدة الأساسية للهوية، لا يكون النبذ إزعاجاً بسيطاً؛ بل هو تهديد عميق لإحساس المرء بذاته وأمنه.
٣. الخنق الاقتصادي: تظهر مشاكل أحمد التجارية كيف يترجم الضغط الاجتماعي إلى صعوبات اقتصادية. في المجتمعات التي تعتمد على الثقة الشخصية والسمعة، يمكن أن يكون اعتبار المرء منبوذاً مدمراً مالياً. هذا رافعة قوية لإجبار الأسرة على العودة إلى الصف. يقول المجتمع، يمكنك تحدي الأعراف الاجتماعية، لكن ذلك سيكلفك رزقك.
٤. التدخل "المهتم": مواجهة فاطومة هي التصعيد الكلاسيكي. يتم تقديمها كفعل اهتمام ("أنا قلقة على مستقبل الفتاة")، لكنها إنذار نهائي مقنع. سؤالها - "متى ستقومين بواجبك؟" - هو اللحظة التي يتحول فيها الضغط الناعم إلى طلب صارم.
الهدف من هذا الهجوم متعدد الجوانب ليس بالضرورة تدمير الأسرة، بل "تصحيحها". إنه شكل من أشكال العلاج الجماعي القسري المصمم لشفائهم من أفكارهم المنحرفة وإعادتهم إلى الحظيرة. المجتمع يضغط عليهم، ويزيد الضغط تدريجياً، ليرى عند أي نقطة سينهارون. إنذار فاطومة يشير إلى أن وقت الضغط السلبي قد انتهى. إن ثمن أملهم على وشك أن يُسمى، وسيطلب المجتمع سداده.